عقدت دار الإفتاء المصرية محاضرة علمية بعنوان “الأسئلة الوجودية الكبرى” ألقاها الشيخ طاهر زيد مدير وحدة “حوار” بدار الإفتاء ضمن فعاليات الندوة الرابعة التي تنظمها إدارة التدريب بدار الإفتاء تحت عنوان “الهوية الدينية وقضايا الشباب” بمقر الدار بالقاهرة تحت رعاية فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.
مدير وحدة حوار بدار الإفتاء: الأسئلة الثلاثة الكبرى هي مفتاح تشكيل الوعي
استهلت فعاليات المحاضرة بكلمة ترحيبية ألقاها فضيلة الشيخ محمد مبروك الشيلاني مدير مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية حيث رحب بالحضور مؤكدًا أهمية طرح القضايا الفكرية التي تمس وعي الشباب وهويتهم الدينية في ظل التحديات المعاصرة كما تخلل الافتتاح تلاوة قرآنية مباركة تلاها فضيلة الشيخ أحمد العوضي مدير إدارة فض المنازعات بدار الإفتاء المصرية فيما أدار الجلسة وقدم فعالياتها فضيلة الشيخ أحمد بسيوني مدير مركز الإمام الليث بن سعد لفقه التعايش.
تناول مدير وحدة حوار بدار الإفتاء في المحاضرة مسألة الهوية الدينية من زاوية معرفية وعقلية رابطًا بين النص الشرعي والأسئلة الوجودية الكبرى التي تشكل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله حيث استهل محاضرته بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة” موضحًا أن هذا الحديث يؤسس لفهم عميق لمفهوم النجاة مؤكدًا أن النجاة في الدنيا لا تتحقق بصورة فردية منعزلة وإنما هي نجاة جماعية تقوم على تحمل المسؤولية المشتركة وأن ترك الخطأ دون معالجة لا يهدد الفرد وحده بل يعرض المجتمع بأسره للهلاك.
بين مدير وحدة حوار أن الجامع بين هذه القصة والحديث النبوي هو “النسيان” وليس بمعنى فقدان المعلومة وإنما نسيان المعنى والغاية معتبرًا ذلك مدخلًا رئيسًا لفهم أزمة الهوية وانتقل إلى بيان كيفية تشكل الهوية الدينية معرفًا الهوية بأنها مطابقة ما في الذهن لما في الخارج أي انسجام التصورات الداخلية مع الواقع العملي.
كما تناول مفهوم الدين من خلال مشاركات الحاضرين مبرزًا اختلاف تعريفاتهم تبعًا لاختلاف مناظيرهم وخبراتهم وهو ما يدل على أن التصور عن الدين قد يتأثر بالسياق الذاتي إذا لم يضبط بمنهج معرفي واضح مؤكدًا أن تشكل الهوية لا يتم إلا عبر مواجهة الإنسان لثلاثة أسئلة وجودية كبرى: من أين أتيت؟ إلى أين أذهب؟ ما وظيفتي في هذه الحياة؟ مشددًا على أن هذه الأسئلة ليست نظرية مجردة بل عملية تتحدد على ضوءها اختيارات الإنسان وسلوكه ونظرته إلى الكون والحياة
طرح سؤالًا مركزيًا حول كيفية تفكير العالم المسلم في الحياة والوجود موضحًا أن التفكير يبدأ بالبحث في أصل الوجود: كيف وجد الإنسان؟ ومن الذي أوجده؟ ثم ينتقل إلى إدراك مبدأ السببية بوصفه أساسًا في فهم الكون مبينًا أن من أوجد الكون لا بد أن يتصف بصفات واجبة منها البقاء والقديم لمخالفته للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية
تناول مسألة إثبات وجود الله مستشهدًا بقوله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ مبينًا أن الآية تقيم حجة عقلية قاطعة على استحالة وجود الإنسان بلا خالق كما عرض لطرح بعض المؤرخين حول بداية الكون وأنه كان كتلة واحدة ثم حدث لها انفجار تشكل عنه الكون بصورته الحالية وتساءل: من أوجد هذه الكتلة؟ وما العوامل التي أدت إلى انفجارها؟ وكيف تم هذا التمدد الكوني بهذه الدقة والانتظام؟ ليؤكد أن الإجابة المنطقية تقتضي وجود قوة عالمة حكيمة قادرة وهو ما يدل على أن لهذا الكون صانعًا متقنًا
في ختام المحاضرة استعرض مدير وحدة حوار القسمة العقلية الرباعية لتفسير الوجود موضحًا أن العقل لا بد أن يستقر على أحد أربعة احتمالات: أن الوجود نشأ من لا شيء أو أن الطبيعة أوجدت الإنسان أو أن الإنسان أوجد نفسه أو أن قوة خارجية قاهرة أوجدته مبينًا أن الاحتمالات الثلاثة الأولى باطلة عقلًا ولا يبقى إلا الإقرار بوجود خالق واحد قادر عليم حكيم وبه تستقيم الرؤية الوجودية وتتشكل الهوية الدينية على أساس صحيح في إطار من الوعي الرشيد الذي تسعى دار الإفتاء المصرية إلى ترسيخه في أوساط الشباب

