أعلنت وزارة الأوقاف أن موضوع خطبة الجمعة اليوم في المساجد هو “حسن استقبال شهر رمضان”، وذلك في إطار استعداد الدولة المصرية لاستقبال الشهر الكريم بروح تعبدية وسلوك حضاري.

نص خطبة الجمعة اليوم

الحمد لله الذي منّ على عباده بمواسم الطاعات، وجعلها محطات لتزكية النفوس وإصلاح العثرات، نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد، فيا عبد الله:

أحسن استقبال شهر رمضان، فهذا شهر عظيم تهيئ فيه نفسك لاستقبال فيض الحق، فتتصل فيه بالسماوات، ويستجاب فيه دعاؤك، أقبل عليه فهو ميدان لتصفية قلبك من كدر الأغيار، وتحليته بجواهر الأذكار، تتجلى فيه أمام بصيرتك الحقيقة المحمدية في أبهى صورها. ساعاتك فيه معراج لروحك، حيث تترقى فيه من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، وصولًا إلى ذروة الإحسان، إنه موسم ضيافتك الإلهية، ومستقر سكينتك الرحمانية، ليكون لك هدى، ولقلبك نورًا، فالموفق من جعل من كل لحظة في هذا الشهر بابًا يطرقه للوصول إلى مرضاة الله، مستحضرًا قول الحق سبحانه: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”.

أحسن استقبال شهر رمضان، فإنه شهر مبارك اصطفاه الله لك ليكون جلاء لصدرك وراحة لروحك من فيض القرب، فقد فرض الله عليك صيامه، وجعله لك ميقاتًا لترميم انكسارات نفسك والترقي في منازل المحبة. هذا الزمان الشريف الذي صدقت فيه البشرى النبوية لك بأن “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”، حيث سر قبولك يتمثل في ليلة القدر التي هي “خير من ألف شهر”، ومن حرم خيرها فقد حرم الخير كله. أراد الله لروحك أن تطير بجناحي الأنس، فاجعل البشارة المحمدية “فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه” دليلك.

أحسن استقبال شهر رمضان بالتأسي والاقتداء بالحالة النبوية، استغل هذا الزمان الشريف بيقظة في قلبك وهمّة في طاعتك؛ فأكثر من فعل الخيرات ووجوه البر، واجعل قدوتك الجناب النبوي، فقد كان أكرم الناس بالخيرات، وكان أجود ما يكون في رمضان. اجعل من صيامك هذا العام مدرسة لبناء إنسانيتك، وعمر باطنك بالذكر والقرب، وظاهرك بالرفق والرحمة، وقدّر لهذا الشهر قدره، واستشعر جلال القرب من خلال جمال هيئتك ونظافة محلك. فما أجمل أن يرى الله منك حرصًا على إماطة الأذى وتطييب المساجد، لتصنع بيئة تليق بتنزل الملائكة وحلول الرحمات، مستحضرًا الهدي النبوي الذي جعل من الطهارة شطرًا للإيمان.

ولا يكتمل هذا البهاء الظاهري إلا بسمو تعاملك، حيث يبدأ حسن خلقك بضبط لسانك قبل الإمساك عن طعامك، فيصوم قلبك عن الحقد ولسانك عن الأذى، ويتجلى نبل أخلاقك في الترفع عن المشاحنات، ليكون صومك حصنًا ضد الغضب، وترجمة كرمك إلى ابتسامة صادقة وكلمة تجبر بها الخواطر، ليكون الرقي في مسلكك وإتقان عملك هو الجوهر الحقيقي لصيامك، الذي يحوّل عبادتك إلى سلوك حضاري يفيض بالسكينة والوقار، التزامًا بتوجيه الجناب النبوي حين قال: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصرخ، فإن سبّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم”.