نظمت دار الإفتاء ندوة فكرية بجناحها في معرض الكتاب تحت عنوان “الفتوى والصحة” حيث تناولت العلاقة بين الفتوى والمسائل الطبية في ظل التطورات العلمية المتسارعة بحضور عدد من كبار العلماء والمتخصصين في الطب والشريعة وجمهور كبير من زوار المعرض.
شارك في الندوة الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث والأستاذ الدكتور عطا السنباطي عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر واللواء الدكتور فؤاد يونس رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.
نائب رئيس جامعة الأزهر: إدخال الفقه الطبي بكليات الطب بالجامعة خطوة مهمة
خلال الندوة تناول اللواء الدكتور فؤاد يونس رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية ظاهرة لجوء بعض الأفراد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأطباء محذرًا من أن هذا السلوك بات شائعًا بين الشباب حيث يلجأ البعض فور شعوره بأي أعراض صحية إلى إدخالها في برامج الذكاء الاصطناعي والتعامل مع النتائج كما لو كانت تشخيصًا طبيًا معتمدًا وهذا الأمر قد يحمل مخاطر جسيمة أبرزها فقدان السرية الطبية وغياب التعاطف الإنساني الذي يمثل جزءًا أساسيًا من العلاج.
أكد الدكتور فؤاد يونس أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الطبيب لأن التشخيص الطبي لا يعتمد فقط على الأعراض المكتوبة بل على التاريخ المرضي الكامل والفحص الإكلينيكي ومهارة الطبيب في الربط بين المعطيات المختلفة مشيرًا إلى أن بعض الأدوية التي قد يقترحها الذكاء الاصطناعي قد تكون لها آثار عكسية خطيرة على المريض.
وأوضح أن التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل الجراحات الروبوتية أكثر دقة لكنها مرتفعة التكلفة ولا تزال غير متاحة على نطاق واسع والأصل أن يقود الإنسان هذه التقنيات لا أن يخضع لها.
انتقل الحديث إلى خطورة الفتاوى غير المنضبطة في القضايا الطبية حيث شدد اللواء الدكتور فؤاد يونس على أن بعض الفتاوى الصادرة عن غير المختصين قد تشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان مستشهدًا بحالات مرضى مزمنين يتناولون أدوية للقلب أو الضغط وقد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا أفتوا بالصيام أو بتغيير مواعيد العلاج دون فهم دقيق لحالتهم الطبية.
بدوره أكد الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث أن العلاقة بين الفقه والطب علاقة تكامل لا انفصال وأن العلوم جميعها خادمة لبعضها البعض ولا يمكن تصور فتوى صحيحة في القضايا الطبية دون الرجوع إلى أهل الاختصاص موضحًا أن هذه القاعدة الشرعية ليست مبدأً نظريًا بل منهج عملي يحكم التعامل مع القضايا التي تمس حياة الإنسان وصحته.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف أدرك مبكرًا خطورة القطيعة بين العلوم فحرص على ترسيخ هذا التكامل المؤسسي ومن هنا جاء إدخال مادة “الفقه الطبي” ضمن المناهج الدراسية بكليات الطب حيث يدرسها سنويًا ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب وطالبة ليس في فقه العبادات التقليدي بل في القضايا الطبية المستجدة التي يواجهها الطبيب في واقع عمله مثل الموت الدماغي ونزع الأجهزة الطبية والعلاج الجيني وغيرها من الإشكالات المعاصرة.
شدد الدكتور محمود صديق على أن مواجهة الخرافات الطبية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تكون إلا بفتوى رشيدة مؤسَّسة على العلم والتجربة وتعاون حقيقي بين المؤسسات الدينية والطبية.
وفي مداخلة مهمة أكد الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية أن دار الإفتاء تتعامل مع القضايا الطبية الحساسة بمنتهى الدقة والحذر موضحًا أن هذه القضايا تناقش في لجان علمية ضمت أطباء وعلماء دين وأن الإشكالية الأساسية كانت في التوصيف الطبي وليس في الحكم الشرعي ذاته.

