نظم جناح دار الإفتاء المصرية ندوة علمية بعنوان الفتوى والسلامة النفسية حيث تناولت الأبعاد النفسية للفتوى الشرعية ودورها في دعم الاتزان النفسي للأفراد وبناء الطمأنينة المجتمعية.
شارك في الندوة كل من الأستاذ الدكتور مهاب مجاهد استشاري الطب النفسي وعضو مجلس الشيوخ والدكتور عمرو الورداني أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب وقدّم الندوة الشيخ حازم داود أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية وحضرها فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم ونخبة من العلماء والمثقفين والمتخصصين والمهتمين بالشأن الديني والنفسي إلى جانب جمهور معرض الكتاب.



في مستهل الندوة أكد الشيخ حازم داود أن هذه اللقاءات العلمية أصبحت سمة مميزة لجناح دار الإفتاء حيث تستضيف نخبة من كبار العلماء لنقل خبراتهم العلمية والإسهام في رفع مستوى الوعي المجتمعي موضحًا أن الفتوى لا تقتصر على الحكم الشرعي بل تمتد لتلامس الإنسان في مختلف جوانب حياته بما يعكس تكامل بيت الفتوى مع سائر العلوم الإنسانية.
أوضح الدكتور مهاب مجاهد أن الفتوى إذا صحّت استقام بها حال الإنسان كله وإذا اختلّت اختلّ ما بُني عليها مؤكدًا أن من يلجأ إلى دار الإفتاء يستند إلى ركن أصيل يتمثل في بيت الفتوى ذاته وشدد على أن رسالة الفتوى ينبغي أن تتجه إلى ضبط السلوك لا محاسبة المشاعر لأن المشاعر خارجة عن قدرة الإنسان على التحكم المباشر موضحًا أن الأفكار تولد مشاعر والمشاعر تفضي إلى سلوكيات بينما لا يُكلَّف الإنسان إلا بما يملك توجيهه وضبطه.
ذكر أن سؤال الإنسان عن شعوره قد يشعره بالعجز بينما المطلوب هو توجيه الفكر وتقويم السلوك مستشهدًا بقول الله تعالى {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} حيث لم ينه النص عن الغيظ وإنما وجَّه إلى كظمه وضبط آثاره السلوكية مؤكدًا أن المفتي ينبغي أن يوجِّه خطابه إلى السلوك العملي موضحًا أن مخالفة السلوك للشعور مع الالتزام بالسلوك الصحيح تهذِّب النفس وتقومها مستدلًا بقوله تعالى {قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها} فالإنسان مسؤول عن سلوكه لا عن مشاعره.



تابع استشاري الطب النفسي أن الصحة النفسية تُعد أحد مرتكزات جودة الحياة وأن الخطاب الديني المعتدل القائم على الرحمة والتيسير يسهم بشكل مباشر في تخفيف القلق والاكتئاب داعيًا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والمتخصصين في الطب النفسي عند معالجة مثل تلك القضايا الحساسة.
في السياق ذاته أشار الدكتور عمرو الورداني رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب إلى نماذج سابقة من الفتاوى المنحرفة التي انتشرت في المجتمع مثل ظاهرة زواج الجامعات وزواج الدم والتي ترتَّب عليها مآسٍ إنسانية جسيمة واستعرض واقعة لفتاة حملت نتيجة زواج غير منضبط فلجأت إلى صاحب تدين ظاهري فأفتاها بأنها زانية وأن ما في بطنها ولد زنا الأمر الذي أدى بها إلى الانتحار.
وأوضح فضيلته أن توجهه لدراسة العلوم النفسية جاء بدافع تصحيح هذه الانحرافات وتحرير الإنسان من آثار الفهم الخاطئ للدين مؤكدًا أن الفتوى الرشيدة لا تنفصل عن فهم النفس الإنسانية ولا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان وكرامته.
تطرق الدكتور عمرو الورداني إلى عدد من المخاطر التي تربط بين علم الإفتاء والعلوم النفسية مشيرًا إلى أن أبرزها العدمية الوجودية والقلق الوجودي وأزمة الهوية محذرًا من خطورة الخطاب الديني القائم على اللوم في زيادة حدَّة الوسواس وشدد على ضرورة تصحيح المفهوم الخاطئ الذي يربط المرض بضعف الإيمان وأن هؤلاء الأفراد يحتاجون إلى دعم خاص.
ردًا على سؤال حول كيفية اختيار المستفتي للمفتي للإجابة عن فتواه أجاب الدكتور عمرو الورداني بأن هناك معايير يجب أن يعيها المستفتي عند طلب الفتوى أبرزها اختيار المفتي صاحب الصنعة فالمفتي ليس مجرد ناقل للنصوص بل هو خبير يدرك مآلات الفتوى كما يجب أن يستند إلى منهج علمي معتبر.
اختتم الدكتور الورداني حديثه بالتحذير من إهمال الجانب النفسي عند إصدار الفتوى مؤكدًا أن ذلك يؤدي إلى ظواهر خطيرة منها ما أسماه بالإلحاد العاطفي وهو الهروب من الدين بسبب القسوة التي يواجهها الشخص من بعض الفتاوى.
في ختام الندوة أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية أن الفتوى علم وصنعة تؤخذ من الناس لا مما صنعه الناس مثل التطبيقات الخاصة بالذكاء الاصطناعي مشيرًا إلى أهمية استنباط الفتوى من خلال التفاعل المباشر مع المستفتي وفهم حاله وظروفه.
تأتي هذه الندوة ضمن جهود دار الإفتاء المصرية لتطوير الخطاب الإفتائي المعاصر وربطه بالعلوم الإنسانية الحديثة بما يرسِّخ قيم الرحمة والاعتدال ويعزِّز السلامة النفسية كأحد مقاصد الشريعة في خدمة الإنسان والمجتمع.

