التخطي إلى المحتوى
قرارت البنك المركزي حول ارتفاع اسعار الدولار

إتخذ البنك المركزي عدة قرارات خلال الربع الأول من عام 2016 بغية إحتواء الطلب على النقد الأجنبي ومواجهة تفاقم شح الدولار في ظل تراجع المصادر الاساسية للدخل الأجنبي من السياحة والاستثمار، وفي محاولة أيضا للجم جماح الدولار في السوق الموازية والتي شهدت قفزات تاريخية للعملة الامريكية أمام العملة المحلية.

أزمة اقتصادية في الأساس

وقال ابراهيم الغيطاني – رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بالمركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة- إن اجراءات البنك المركزي لم تسهم في حل مشكلة السيولة الدولارية نظرا لان الأزمة اقتصادية في الاساس، والحلول في يد البنك المركزي محدودة لانه احد الأدوات في حل مشكلة النقد الأجنبي وليست كلها.

وأضاف أن انخفاض الجنيه أمر طبيعي نظرا لتراجع الثقة في الاقتصاد المصري سواء عند المستثمر المحلي او الاجنبي لعدة اسباب من بينها عدم تحسن الاطار التشريعي والتنظيمي ومؤشرات الاداء الاقتصادي بشكل كبير، ولكن الامر المحير هو الوتيرة السريعة للانخفاض والذي يعني ان السوق في حالة تذبذب عالي، مما يسبب مشاكل للعقود التصديرية وايضا على قرارات المستثمرين.

وأوضح الغيطاني ان المؤشرات الحقيقية ضعيفة ولا تعطي دفعة لتطور الاقتصاد، فالمؤشرات المتعلقة بميزان المدفوعات او القطاع الخارجي مثل السياحة والصادرات والميزان التجاري لا تعطي تفاؤلا.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع أعداد السائحين الوافدين من كافة دول العالم إلى مصر فى فبراير بنسبة 45.9% ليبلغ 346.5 ألف سائح مقابل 640.2 ألف سائح خلال شهر فبراير من عام 2015.

وتراجعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال النصف الأول من العام المالى الحالى بمقدار 1.1 مليار دولار عما كانت عليه خلال الفترة المقابلة من العام الماضى إذ بلغت 8.3 ملياردولار مقابل 9.4 مليار دولار.

ولفت رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بالمركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة إلى ان تحويلات المصريين بالخارج بدأت تتجه الى خارج قطاع البنوك، وبدأ العاملون بالخارج يحولون أموالهم بالجنيه بعد بيع الدولار عند سماسرة بالخارج بأسعار أعلى من السوق الموازية في مصر.

كانت الاحتياطيات الأجنبية هوت أكثر من النصف منذ عام 2011 إلى 16.56 مليار دولار في مارس بما لا يغطي واردات أكثر من ثلاثة أشهر، الا ان طارق عامر محافظ البنك المركزي أكد في تصريحات صحفية في فبراير أن البنك يستهدف زيادة الاحتياطى الأجنبى لمصر إلى 25 مليار دولار بنهاية عام 2016 .

وفي ظل التراجع الحاد للاحتياطيات قام البنك المركزي في اكتوبر 2015 بتخفيض قيمة الجنيه نحو 10 %، لكنه عاد ورفع قيمة العملة المحلية في نوفمبر بمقدار 20 قرشا ليستقر عند 8.85 جنيه للدولار الى الآن.

تداعيات قرارات المركزي

ومع تفاقم أزمة شح الدولار ولإحتواء الطلب على النقد الأجنبي قام المركزي بفرض قيود على حركة النقد الأجنبي، وقال إنه يضيع على واردات سلعية غير ضرورية يريد البنك خفضها بمقدار الربع هذا العام.

وفرضت مصر في الأشهر الثلاثة الأولى من العام قواعد تلزم المستوردين بتسجيل مصانع المنشأ وتقديم وثائق استيراد من البنوك الأجنبية ودفع ودائع نقدية بكامل القيمة في خطابات الائتمان.

كما رفعت مصر الرسوم الجمركية على أكثر من 500 سلعة ضمت أغذية وأدوات مطبخ وعطور وملابس مستوردة وتكييفات، وتجهيزات حدائق ومستلزمات بناء، وأقلام وولاعات، ومكسرات وبعض الفواكه التي لها بديل محلي وأغذية الحيوانات اﻷليفة وأدوات السراجة.

وقال احمد ادم – الخبير المصرفي – ان القرار الخاص بتحديد الحد الأقصى لقسط قروض التجزئة المصرفية بألا يزيد عن 35% والقروض العقارية الا يزيد القسط الشهرى عن 40% من إجمالى دخل العميل بعد خصم الضرائب والتأمينات سيكون له تاثير سلبي على البنوك التى يتزايد بها الوزن النسبى لهذة القروض.

ودلل على ذلك – من خلال دراسة اجراها للمراكز المالية السنوية للبنوك فى 2014/12/31- حيث بلغت نسبة القروض المقدمة للأفراد ببنك التعمير والإسكان 60.9% من إجمالى القروض المقدمة للعملاء – وهى أكبر نسبة بين البنوك المشاركة بالدراسة المقارنة- يليه بنوك الأسكندرية، وأبوظبى الإسلامى والإتحاد الوطنى وباركليز وكريدى أجريكول.

واردف “بالتالى فقد تحركت بعض البنوك لتلافى سلبية القرارعلى مراكزها المالية وقامت بزيادة مدة القرض من 5 سنوات إلى 7 سنوات.”

واشار أدم الى ان قرار إنخفاض معدل نمو قروض التجزئة المصرفية قد يؤثر سلباً على معدل نمو الإستهلاك النهائى بما يؤثر وبالتبعية سلباً على معدل النمو الإقتصادي.

وبالنسبة لقرار تخفيض الحدود القصوى للتوظيف لدى العميل الواحد والأطراف المرتبطة، فأوضح الخبير المصرفي انه سيؤثر سلبا على البنوك التى يتزايد بها الوزن النسبى لهذة القروض وهي البنك الأهلي والتجاري الدولي، والعربي الأفريقي، وQNB، لكن من الممكن ان تتخلص من هذا التاثير برفع رؤوس أموالها.

أما عن زيادة محفظة القروض والتسهيلات الائتمانية للشركات والمنشآت الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة لما لا يقل عن 20% من إجمالى محفظة التسهيلات الائتمانية للبنك، فقد سبقه تعديل تعريف المنشآت المتوسطة برفع حجم المبيعات القصوى للمشروعات القائمة المتوسطة من لاتزيد عن 20 مليون حنيه إلى أقل من 100 مليون جنيه، مما سينقل جزء من القروض المصنفة مشروعات عملاء كبار إلى مشروعات متوسطة فتتزايد نسبتها بمحافظ ائتمان البنوك بدون أى جهود تذكر.

وتدرس وزارة المالية حالياً منح مميزات تأمينية وضريبية للمشروعات الصغيرة لتحفيز الإقتصاد غير الرسمى على الدخول للإقتراض والإستفادة من المميزات والحوافز التأمينية والضريبية المزمع تقديمها لهذا القطاع وكذا الإستفادة من التمويل بعائد لايزيد عن 5% حيث أن القطاع غير الرسمى يتم تمويله من مصادر غير البنوك بفائدة تتجاوز الــــ 30,0%.

واوضح ادم ان العائد المقرر بـ 5 % طبقاً للمبادرة المقدمة من البنك المركزى قد لا يحفز بعض البنوك على التعامل بة إذ أن المخصص العام للقروض الصغيرة الجيدة يبلغ 3,0 % وبالتالى المتبقى للبنوك 2,0% قد لا تكفى مصروفات التشغيل وهو ماستحقق معه البنوك خسارة حال تعاملها وفقاً لهذا النظام على الأقل خلال العام الأول من منح القرض وبالتالى ستلجأ لإقراض المشروعات الصغيرة طبقاً لعوائدها المطبقة وبعيداً عن مبادرة البنك المركزي.

وأشار أحمد أدم الخبير المصرفي إلى أن قيام البنك المركزي بزيادة أسعار الفائدة بواقع 1,5% كان هدفه الرئيسى بخلاف كبح جماح التضخم هو زيادة أسعار العائد على إذون الخزانة لترغيب الصناديق الأجنبية على الإستثمار فيها وكذا حائزى الدولار مع ضمان خروجهم بذات أسعار الصرف التى تم الشراء بها وبالتالى فالقرارات الصادرة والسابق الإشارة إليها بما فيها قرار إرتفاع أسعار العائد تؤكد أن معدلات نمو القروض والتسهيلات الائتمانية بالعملة المحلية والمقدمة من البنوك للعملاء ستنخفض خلال عام 2016 وستتجه البنوك بقوة للإستثمار بإذون الخزانة.

كان الاتحاد العام للغرف التجارية أعلن انه يدعم الإجراءات الإصلاحية التى قام بها البنك المركزي والتى تتماشى مع خارطة الطريق التى رفعها الاتحاد للدولة بهدف عودة الاقتصاد المصري للنمو وتنمية الصادرات وجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل.

وناشد أحمد الوكيل رئيس الاتحاد فى بيان للاتحاد منتسبي الغرف بالتأنى فى المعاملات الخارجية فى المرحلة القصيرة الحالية لضمان إنجاح المنظومة واستقرار الأسواق وهو ما سيعود بالفائدة على المنتسبين والاقتصاد المصرى ككل فى المدى القصير.

واكد الوكيل ان تلك الاصلاحات النقدية يجب ان تدعم بسياسات مالية واستثمارية توسعية على وجه السرعة لضمان نجاح الاصلاح الاقتصادى.

السوق الموازية مؤشرا للاتجاه

ومع تفاقم أزمة شح الدولارانتعشت السوق الموازية – السوداء- واقترب الدولار الى 12 جنيها قبل ان يتراجع عقب الدعم الاماراتي.

وقال رامي عرابي – محلل اقتصاد كلي في مباشر – إن الأسعار في السوق الموازية تعد مؤشرا للاتجاه وليس للقيمة الحقيقية للعملة المحلية، لانها لا تعتمد على استطلاع علمي ولكن تعتمد فقط على عدد من الصرافات، الا انها مؤشر على ان هناك اتجاها لانخفاض قيمة الجنيه.

واشار عرابي إلى ان هناك ضغوط لخفض الجنيه نظرا لعدم دخول تدفقات من الخارج منذ قرارات البنك المركزي، وذلك ربما يرجع الى ان القرارات غير كافية، كما انه يجب ان تتخذ الحكومة اجراءات لخفض عجز الموازنة.

من جانبه يرى ابراهيم الغيطاني – رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بالمركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة- ان السوق الموازية أصبحت تقود سعر الصرف في الوقت الحالي وليس البنك المركزي وذلك نظرا لارتفاع حجم التعاملات بها كما ان قيمة الجنيه في السوق السوداء اصبحت تعبر عن القيمة الحقيقية للعملة المحلية.

ولفت الغيطاني الى ان فاعلية البنك المركزي في ادارة السوق الموازية محدودة لأن المضارب لا يعمل بناء على الاجراءات التي يضعها البنك المركزي ولكن بناء على المؤشرات الاقتصادية، كما ان فاعلية المركزي محدودة في التأثير على المعروض او مقابلة الزيادة فى الطلب فانه من الصعب عليه اعادة القوى الشرائية للجنيه.

وعقب تجاوز الدولار لحاجز 11 جنيها بالسوق الموازية للمرة الأولى في تاريخه، نفى طارق عامر محافظ البنك المركزى المصري وجود أية نية او اتجاه لخفض جديد في قيمة الجنيه.
وأكد محافظ البنك المركزي أن الارتفاعات المبالغ فيها وغير المبررة للدولار بالسوق الموازى ناتجة عن مضاربات وشائعات من أطراف تبغي الضرر بالوطن ويجب محاسبة من يتفوه بمثل الأخبار الكاذبة لانه يضر الأمن القومي والمواطن والاقتصاد المصري ككل، ويحقق ضررا كبيرا بالصناعة المصرية وبالاستقرار .

وأغلق البنك المركزي 9 صرافات بشكل نهائي لتلاعبها في أسعار بيع العملة الصعبة ومخالفات أخرى.

خفض قادم للجنيه

ويرى ابراهيم الغيطاني ان البنك المركزي سيضطر إلى خفض الجنيه مرة اخرى وهو الخيار الواقعي في ظل المؤشرات الاقتصادية السالبة ولجذب المستثمر الاجنبي الذي يرى ان العملة المحلية مقومة باكثر من قيمتها، موضحا انه كلما اقتربت الفجوة ما بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازية يكون في صالح السيولة الدولارية في البنوك، لكن “ذلك لا يعني بالطبع تحقق فائض دولاري.”

واستطرد قائلا ” لكن عودة الجنيه لمستويات 2011 او حتى 2015 صعب للغاية فانه يحتاج لتدفقات ضخمة.

من جانبه، قال رامي عرابي – محلل الاقتصاد الكلي – “يجب ان نرى مرونة وحركة في السعر الرسمي للجنيه، فسعر الصرف من المفترض ان يعبر عن الواقع الاقتصادي، مستبعدا ان يحدث تخفيض الجنيه قبل شهر رمضان”.

وبدأ الدولار في الإنخفاض أمام الجنيه عقب اغلاق الصرافات المخالفة وإعلان دولة الإمارات عن تقديم دعم لمصر بقيمة 4 مليارات دولار، منها 2 مليار فى صورة وديعة لدعم أرصدة الاحتياطى من النقد الأجنبى، و2 مليار فى صورة استثمارات فى مشروعات تنموية، ولكن هل يستمر تراجع العملة الأمريكية أمام الجنيه أم يكون ذلك تراجع مؤقت.. هذا ما سوف تكشفه الايام القادمة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

DMCA.com Protection Status